أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

25

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

و مِنَ اللَّهِ متعلق ب « عاصِمٍ » ، وعلى كون هذه الجملة خبر الموصول يكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بجملتي اعتراض وفي ذلك خلاف عن الفارسي تقدم التنبيه عليه بأدلته . السادس : أنّ الخبر هو الجملة التشبيهية من قوله : كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ ، و « كَأَنَّما » : حرف مكفوف ، و « ما » هذه زائدة تسمى كافة ومهيئة وتقدم ذلك « 1 » ، وعلى هذا الوجه فيكون قد فصل بين المبتدأ وخبره بثلاث جمل اعتراض . السابع : أن الخبر هو الجملة من قوله : « أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ » وعلى هذا القول فيكون قد فصل أربع جمل معترضة وهي : جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ، الثانية : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ، الثالثة : ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ ، الرابعة : كَأَنَّما أُغْشِيَتْ . وينبغي أن لا يجوز الفصل بثلاث جمل فضلا عن أربع . قوله : « وَتَرْهَقُهُمْ » فيها وجهان : أحدهما : أنها في محل نصب على الحال ، ولم يبين أبو البقاء صاحبها ، وصاحبها هو الموصول أو ضميره ، وفيه ضعف لمباشرته الواو إلا أن يجعل خبر مبتدأ محذوف . والثاني : أنها معطوفة على « كَسَبُوا » . قال أبو البقاء : « وهو ضعيف » ، لأن المستقبل لا يعطف على الماضي ، فإن قيل : هو بمعنى الماضي فضعيف جدا « 2 » . وقرىء : « ولا يرهقهم » بالياء من تحت ، لأن الذلة تأنيثها مجازي . قوله : قِطَعاً قرأ ابن كثير والكسائي « قِطَعاً » بسكون الطاء والباقون بفتحها ، فأما القراءة الأولى فاختلفت عبارات الناس فيها ، فقال أهل اللغة : القطع ظلمة آخر الليل . وقال الأخفش في قوله : « بقطع من اللّيل : بسواد من اللّيل » ، وقال بعضهم : طائفة من الليل ، وأنشد الأخفش : 2609 - إفتحي الباب فانظري في النّجوم * كم علينا من قطع ليل بهيم « 3 » وأما قراءة الباقين فجمع « قطعة » نحو : « دمنة ، ودمن ، وكسرة وكسر » ، وعلى القراءتين يختلف إعراب « مُظْلِماً » ، فإنه على قراءة الكسائي وابن كثير يجوز أن يكون نعتا ل « قِطَعاً » وصف بذلك مبالغة في وصف وجوههم بالسواد ، ويجوز أن يكون حالا ، ففيه أربعة أوجه : أحدها : أنه حال من « قِطَعاً » ، وجاز ذلك لتخصصه بالوصف الجار بعده ، وهو : « مِنَ اللَّيْلِ » . والثاني : أنه حال من « اللَّيْلِ » . والثالث : أنه حال من الضمير المستتر في الجار لوقوعه صفة . الرابع : أن يكون صفة ل « قِطَعاً » على المبالغة والتأكيد أيضا ، لأن الاظلام مفهوم من لفظ القطع . قال الزمخشري : فإن قلت : إذا جعلت « مُظْلِماً » حالا من « اللَّيْلِ » فما العامل فيه ؟ قلت : لا يخلو إما أن يكون « أُغْشِيَتْ » من قبل أن « مِنَ اللَّيْلِ » وصفه لقوله « قِطَعاً » ، وكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة ، وإما أن

--> ( 1 ) أنظر سورة البقرة ، آية : ( 11 ) . ( 2 ) مختصر الشواذ ( 57 ) . ( 3 ) البيت في إبراز المعاني ( 507 ) ، روح المعاني ( 11 / 106 ) ، اللسان « قطع » .